![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و صلى الله على سيد المرسلين و آله الهداة المرضيين . السلام على العدل المؤمل و الامام المنتظر، الحجة ابن الحسن المهدي (عجل الله فرجه) السلام على السائرين على درب الهدى .. وعليكم سلام الله ايها الاخوة المؤمنون.
حينما ننتظر الأمل الواعد، الامام المهدي، و نتوقع ظهوره في كل لحظة، فإننا سوف نتحلى بالصفات المثلى التالية من خلال انتظارنا للامام
:
اولاً : نزداد أملاً بمستقبل العالم و نعلم أن ليل الظلم سوف ينجلي بفجر العدالة، و يوم الطاغوت ينصرم، و ترفع راية التوحيد فوق كل ربوة و على امتداد كل افق. ان سلسلة النكبات التي تتوالى على البشرية تظلّل سحابة من اليأس على النفوس فينحسر تطلع الناهضين لاقامة العدالة و لكن اشراقة الأمل المنبعثة من انتظار اليوم الموعود تبدد تلك السحب الداكنة و تزيد الناهضين أملاً و دفعاً متجدداً نحو النهضة، وكأن نداءً قوياً ينطلق من فم الانتظار و يؤكد لفقراء العالم الا تيأسوا، و لمظلومي العالم ان عصر الخلاص قادم لا محالة.
ثانياً : ان انتظار نور الحجة يرسم خارطة لطريق النهضة، فان هيمنة انتصار الحق في عهده، و تلك الحياة الفاضلة التي تستقر يومئذ تحت ظل حكمه و التي هي امنية شائقة لكل نفس زكية و تطلع سام لكل مصلح، انها تشكل خارطة لعمل المصلحين اليوم و نهجاً لما يحققونه في حياتهم. فمن ينتظر العدل لا يظلم، و من ينتظر السلام لا يولغ بسفك الدماء، و من ينتظر الوحدة العالمية لا يمزق صف المجتمع و من ينتظر هدى الله لا يغتر بأهواء الناس و وساوس الشياطين. و لعل الحديث الشريف الذي يقول : ان انتظار الفرج هو الفرج يفتح لنا نافذة على هذه الحقيقة.
ثالثاً : ان ايمان عباد الله بالامام الغائب و قناعتهم بان الفقهاء هم خلفاؤه و نوابه يجعلهم يوحدون صفوفهم بالرغم من اختلاف مشاربهم و تعدد قياداتهم الفعلية، و تنوع مناهجهم وهي جميعاً طرق تؤدي الى هدف واحد وهو نهج الامام الحجة (عجل الله تعالى فرجه) .
أيها الأخوة المؤمنون .. اننا و في بحبوحة الامل الواعد نجدد العهد مع الله ـ سبحانه ـ و مع الناس و مع أنفسنا على أن نستقيم على خط الولاية الالهية انى كانت الظروف صعبة و المشاكل معقدة، و ان نمضي قدماً لتحقيق تلك الاهداف السامية التي ترسم خارطة طريق الانتظار، والوصايا التالية هي زادنا إن شاء الله تعالى في هذا الطريق.
معلم الحكمة للبشرية الذي قال عنه: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ . ولقد اكد الدين على أهمية الحكمة، حتى قال ربنا ـ سبحانه ـ : ﴿ يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾ . وأمر الله ـ سبحانه ـ الداعين اليه بان يتأطّر عملهم بالحكمة فقال ربنا ـ سبحانه ـ: ﴿ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾ .كما إنّ الذين يستخدمون الدين وسيلة للوصول الى أهدافهم الرخيصة، و يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، انهم السفهاء عند الله، أو ليس الدين لله ـ سبحانه ـ و هو ـ سبحانه ـ رب العالمين جميعاً، فلابد ان يستريح البشر كلهم تحت ظلال دين ربهم العظيم.
أيها الاخوة المؤمنون .. اننا – وقبل غيرنا - مدعوون لتطبيق حياتنا مع الحكمة التي هي من روح الرسالات الالهية، و لولا ذلك فإن سائر جهودنا ستذهب سدى اذ انها لا تكون وفق هدى الله و لا منسجمة مع روح الشريعة الغراء.
أيها الأخوة.. ان كل واحد منا يستطيع ان يسهم في بناء المجتمع الاسلامي الرصين والذي ترسو قواعده على الاسس التالية:
أ- البنيان المرصوص: حينما يصف ربنا المجتمع الذي يسمو الى أرفع درجات القرب و هو حب الله سبحانه يقول: " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ " . فهذا البنيان المرصوص تتكامل أطرافه، فباطنه قوي متين و ظاهره انيق رصين. أيها الأخوة: ان علينا اليوم ان نحذف كل الفجوات التي تفصلنا عن بعضنا و ننتزع باذن الله كل غل من نفوسنا تجاه بعضنا و نصلح كل فاسد في علاقاتنا ببعضنا، حتى نصبح مثلاً لذلك البنيان الرصين ان شاء الله ـ تعالى ـ و بذلك نكون حقاً من المنتظرين لظهور المصلح العظيم الإمام المهدي ـ عليه السلام ـ.
ب ــ جيل الكرامة و الأمل :
اما النشء الواعد، و الجيل الصاعد فإن منطق الانتظار السليم للامام المهدي ـ عجل الله فرجه ـ يدعونا الى تربيته على الكرامة و الأمل. و الكرامة تعني الاعتزاز بالهوية و الاحساس بالاستقلال و الحرية، ورفض الذل و الخنوع و التعالي على كل دنية و إسفاف. ان علينا – منذ هذه اللحظة – ان نحترم الطفل و نكرمه أشد الإكرام حتى نزرع في روح الجيل الواعد حب الآخرين و احترام حقوقهم و الثقة بالنفس و التطلع الى الأمام.. ان أمة مستقيمة هي وليدة تربية صالحة، ذلك لأن الامم تتسامى باخلاقها و من الخلق الفاضل تربية الأطفال..
أيها الأخوة: لو أننا بذلنا نصف جهودنا في اصلاح اسس التربية سواءٌ البيتية منها او المدرسية او الاجتماعية، فلن نخسر ابداً. لأنها سوف تكون تربة صالحة لنبات كل خير و معروف.
ج ــ العدل قوة و التطرف دمار: الوحدة بناء متكامل و كل حجر فيه ذو قيمة فمن زعزع حجرة فقد فتح ثغرة و ربما ادت الى هدم المزيد. تعالوا نواجه بحزم كل معاول الهدم.. فان التطرف ظلم و جهالة و الاعتدال قوة. أوليس الله خلق السموات و الارض بالحق، أوليس انزل الميزان، لكي لا نطغى في الميزان. اما سمعتم ربكم يقول: " وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ " وقال ربنا ـ عز من قائل ـ: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ" . ان علينا ان نحكم بالعدل، و ان نقوم بالقسط و نشهد للحق و لن يكون كل ذلك مع العصبيات الجاهلية و لا مع التطرف ذات اليمين و ذات اليسار. اما سمعتم قول امامكم امير المؤمنين علي بن ابي طالب ـ عليه السلام ـ "اليمين و اليسار مضلة..". ان على كل واحد منا ان يكون خفيراً مؤتمناً على الوحدة، فلا يسمح لأحد ان يهدمها، والله المستعان. علينا جميعاً محاربة ثقافة النزاع و الصراع لأنها تمزق مجتمعنا و تحطم احلامنا.
د ــ دعم المؤسسات الاجتماعية: مثل المؤسسات الاجتماعية مثل اروقة البناء العظيم، فكل مؤسسة تشكل جانبا من بنيان المجتمع و كلما كانت المؤسسات اكثر عدداً و امتن قوة فان المجتمع يصبح اقدر على مواجهة اعاصير الفتن و عواصف المحن. و ان هذه المؤسسات التي تبدأ من الهيئات الدينية التي تشكل في المساجد و الحسينيات و تستمر مع التنظيمات السياسية و الهيئات الحسينية و المنظمات الخيرية و الاتحادات المهنية. ان كل واحدة منها مجتمع صغير و لابد ان تتجلى فيها الاخلاق و الآداب و التعاليم الاسلامية التي تنظم علاقة الفرد بالمجموع بأي صورة ممكنة..
أيها الأخوة المؤمنون: ان قيم الدين في التعارف و التشاور و التعاون و الأخوة. انها اعظم هدية من الله ـ سبحانه ـ لعباده، وإنّ علينا ان نربي أنفسنا بها في اطار المؤسسات التي ننتمي اليها و من دونها فإن المؤسسة تصبح اطاراً بلا محتوى، و اهدافنا تتلاشى كما هواء في شبك. و هذه القيم المباركة متكاملة في كتاب ربنا العزيز وفي احاديث النبي ـ صلى الله عليه واله ـ و كلمات اهل بيته المعصومين ـ عليهم السلام ـ، و انما تقدم المسلمون بها و نحن اليوم بحاجة ماسة إليها لتكون زادنا في مسيرتنا الصاعدة نحو بناء مجتمع قوي مستقيم.
أيها الاخوة: ان الإمام في منطق الاسلام يعني المثل الاسمى الذي لابد لكل مأموم ان يقتدي به و يجعله قدوته في خلقه و سلوكه و انشطته. فاذا فعل كل واحد منا ذلك و اقتدى بمولاه الامام المنتظر ـ عليه السلام ـ و سائر ائمة الهدى كان من الميسور ان يتكامل مع اخوته في الايمان، اذ ان صفاتهم تصبح متقاربة و اخلاقهم متماثلة، فاذا بهم ينصهرون في بوتقة الايمان و الولاية و يتحولون الى سبيكة ناصعة.
هـ ــ الاسرة و العشيرة: و الاسرة و التي تتوسع حتى تصبح عشيرة، هي مهبط الرحمة الالهية، و بيت اليمن و البركة و مثل الخلق الفاضل و منبت قيم التعارف و التشاور و التعاون فعلينا اليوم ان نطورها حتى تصبح اكثر قدرة و أوسع تأثيراً. على كل أسرة و كل عشيرة و قبيلة ان تمتن علاقات ابنائها ببعضها عبر المزيد من التشاور و التعاون و اذا امكنهم ان يؤسسوا فيما بينهم صناديق خيرية لدعم بعضهم على مواجهة مكاره الحياة أو للتعاون الاقتصادي او لدعم سائر الناس فان ذلك سيكون مدعاة للفخر و وسيلة للثواب و البركة. ان مجالس الاسرة و دواوين العشائر و مضايف القبائل يجب ان تتبدل الى مراكز لتعليم الدين و أندية للتشاور السياسي في أمور البلاد، و حمل راية الإصلاح في المجتمع و الله المستعان.
ز ــ ثقافة الانتظار و الأمل: في سورة الانبياء و بعد ان تذكر آيات الذكر بقصص الرسل ـ عليهم السلام ـ كيف نصرهم الله على الكفار، يذكرنا الرب بسنته الخالدة التي تتجلى بقوله ـ سبحانه ـ: "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ " . ولو تأملنا في الآيات الكريمة لوجدنا ان دين الله الذي اكتمل وحيه بالنبي محمد ـ صلى الله عليه واله ـ سوف يظهره الله على الدين كله حتى يكون النبي صلى الله عليه و اله رحمة للعالمين حقاً، و لا يكون ذلك الا عند وراثة الارض و حكومتها من قبل عباد الله الصالحين.
و هكذا كان واضحاً أن ظهور الامام الحجة سيكون ايذاناً بشمول الرحمة الالهية للعالمين، في ذلك اليوم سيكون النور الالهي يلف أرجاء العالم كله، و نحن جميعاً بانتظار ذلك اليوم. فلابد ان تكون ثقافة الانتظار هي المهيمنة علينا و تكون صبغة حياتنا الفكرية و بصيرة رؤيتنا للعالم. او لم تسمعوا النبي الكريم ـ صلى الله عليه و اله ـ حين يقول " أفضل اعمال امتي انتظار الفرج " ومن هنا فاننا نردد معاً دائما و ابدا الدعاء المأثور: اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الاسلام و أهله و تذل بها النفاق و أهله و تجعلنا فيها من الدعاة الى طاعتك و القادة الى سبيلك.. اللهم ما عرفتنا من الحق فحملناه و ما قصرنا عنه فبلغناه..
| 81480 | أنشطة المؤسسة | حديث الجُمعة | أخبار ومتابعات | أخبار علمية | خبر و تعليق | وحي القلم | وحي القصص | لكل سؤال جواب |
