![]() |
هناك ملازمة حقيقية فعلية بين الأمن والرفاه، فلا رفاه اقتصادي بوجود الفوضى، ولا رفاه اجتماعي بغياب الأمن، ولا نشأة طبيعية مع حضور أدواة الرعب، فالحياة لا تسمى حياة إن لم يصاحبها الأمن كالظل من الإنسان، فهي أسم على مسمى، فإن غاب الأمن أصبحت الحياة جحيما لا يطاق، وإن عاث الفاسد في بلد قال الفقر أنا عضيدك، وقال الكفر خذني معك، وقال القهر أنا حليفك، وقال الظلم أنا خليلك، وقالت الفوضى أنا شعارك، وقال الخراب أنا دثارك، وقالت الحياة أنا طليقتك بالثلاث، ولا أمن ولا رفاه ولا سلام بعد طلاق الحياة، فالأمن من الحياة كالروح من الإنسان، وإن عاش المرء تحت وطأة القهر والإرعاب عاش ميت الروح، إلا أن ينتشل نفسه من مقبرة الحياة بالوقوف أمام جحفل الرعب بعزم ثابت أو الهجرة إلى بلد يجد فيه حياته وأمنه.
وناشر الرعب فردا كان أو جماعة، حاكما كان أو محكوما هو ناشر الموت، فالإرهاب يعادل من حيث المؤدى الموت الزؤام، ولا يقتصر الموت على ذهاب الروح، فالكلمة المرعبة موت، والفعل المرعب موت، والأداء المرعب موت، والنظرة المرعبة موت، وأفضع الإرهاب قتل النفس المحترمة، فهو موت الأمة وموت البشرية، من هنا كان ولازال: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعا) المائدة: 32، ومن هناك كان القصاص من الجاني والمفسد والإرهابي حياة الأمة وحياة البشرية جمعاء: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة: 179،
ولما كان الظلم قائما وهو إرهاب وإرعاب كان النضال السياسي حاضرا، ولما كان الإحتلال يدوس بجزمته أرض الوطن وهو إرهاب وإرعاب كانت المقاومة المشروعة قائمة في ضمير الأمة، فليس النضال إرهابا ولا المقاومة إرعابا، ولكن أدواتها تحددها المصلحة العامة وتقودها قيادة شرعية، وإلا عمت الفوضى وصار القتل نضالاً والانتحار استشهاداً، وتفجير المفخخات في الأسواق جهاداً، وساد الرعب وغاب الأمن وتاهت الأمة بين ظالم حاكم وثوري يبحث عن نجاة من بين أنقاض الخراب وهو يحسب أنه يحسن صنعا، وخاب ما أتى به من الفساد تحت دعوى الجهاد، وتقلّت الأمة وانسلخ جلدها على صفيح مقاومة ساخنة لا يُعرف لها صدر رحيم ولا رأس حكيم!
فالرعب يقف بالضد من الأمن، والإرهاب عدو السلام، والإسلام هو السلام والسلام هو الإسلام وغيره عيال عليه، ومن يجنح إلى الإرهاب بالكلمة أو الرصاصة فهو عدو السلام والإسلام وإن انتسب إليه إسما ومارس طقوسه فعلا، وحلّق شاربا أو قصر ذيلا، أو لبس عمّة أو تمنطق سروالاً، ومعظم هؤلاء تدفعهم سياسات خارجية لا تريد للإسلام خيراً تتعب الأبدان وتخرّب البلدان.
فالإسلام شرعة ومنهاج، وحتى ندرك قيمة نور السلام ووخامة ظلام الإرهاب، يضع الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في كتابه الجديد "شريعة الترهيب" النقاط على الحروف ويطلع القراء أناساً وحركات وحكومات على الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ثنائية السلام والإرهاب، حتى لا تختلط الأمور ولا يؤخذ السلام بجريرة الإرهاب، ولا تتحول المقاومة المشروعة إلى إرهاب غاشم، ولا تصيّر الجريمة المنظمة إلى نضال مقنن، ولا يلبس الإنتحار لبوس الإستشهاد، فيخطأ الثوريُّ (!) بابَ الجنَّة.
والكتاب الذي صدر حديثا عن بيت العلم للنابهين ببيروت في 90 صفحة من القطع المتوسط قدَّم له وعلق عليه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، هو واحد من سلسلة (الشريعة) يضع الفقيه الكرباسي في 146 مسألة شرعية معاصرة مائزا بين مفهومي الترهيب المفترض والإرهاب المفروض، ويحدد معالم السلام الذي يتبناه الإسلام لإعمار الأرض وإحياء النفوس وإدامة نمو الزرع والضرع، وكل ذي روح من إنسان وحيوان.
وبأسلوب جامع مانع يرى الفقيه الكرباسي أن الناس وقعوا ضحية الخلط الفاحش بين معاني مفردة وأخرى، من حيث أن اللغة العربية لغة المشتقات والبلاغة والمجاز، فليست هناك مرادفات متطابقة المعنى مائة بالمائة، ولذلك فمن الخطأ الفاحش تطبيق مفردة على مصداق غير مصداقها، ولذا يقع التحذير من جانب المؤلف: "من الخلط بين استخدام الإرهاب وبين استخدام الترهيب والرهبة التي وردت في القرآن الكريم، كما نرفض تفسير مفرداتنا العربية ومصطلحاتنا الإسلامية من قبل أناس أجانب عن لغتنا وعقيدتنا".
وبعد أن يستعرض الآيات التي ورد فيها جذر "رهب" ومشتقاته، يرى أنها تدخل في عائلة المفردات التالية:
- الخوف: هو مجرد الإحساس بالخطر واحتمال وقوعه وربما لا يتحقق، ويتعلق بالأفعال دون الأشخاص، ويقابله الرجاء.
- الفزع: هو أشد من الخوف، إذ ربما يرافقه إمارات قريبة على وقوعه شيء مهول، ويقابله الأمان.
- الخشية: هو الخوف من نتائج عمل مع الخشوع لعظمة من بيده القدرة، ويقابله الطمأنينة.
- الوجل: هو الخوف من القلق، وهو حالة نفسية ولا تكون له ظاهرة إلا عدم الإستقرار، وهو الآخر تقابله الطمأنينة.
- الهول: هو شدة الفزع، بمعنى أنه يعظم عليه الأمر فيزداد غمّه.
- الروع: هو الاضطراب مع الخوف بل مع الفزع، ويقابله الاستقرار بالاطمئنان.
- الرعب: حالة تتولد من شدة الخوف.
- الذعر: هو خوف ترافقه الدهشة، وتظهر على الإنسان علامات الدهشة والخوف معا.
- الحذر: هو التوقّي عما يخفيه.
- الرهبة: وتبطن الرهبة أمورا عدة، منها العلم بوقوع ما يرهبه الإنسان، وتلمس ما سيقع، واندهاش بخوف مميّز، ولذلك دعا القرآن المسلمين إلى أخذ الحيطة وأن يكونوا على استعداد دائم لأي خطر داهم: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ..) الأنفال: 60.
فإعداد العدة لا يراد منه بث الرعب في الآخرين، لأن الإسلام دين السلام، وهو يريد حياة الإنسان لا موته، وبتقدير الدكتور الكرباسي إنما: "جاءت كلمة الترهيب لحفظ التوازن، ولخلق مسألة معادلة الرعب، فالعدو إذا علم بقوتك لا يهاجمك ولا يباغتك للقضاء عليك بل دائما ينظر إليك بالعظمة والقدرة والقوة فيضع نصب عينيه نتائج ذلك"، من هنا فإن الرفض قائم على عدم قبول ما يصدره لنا الآخر من مفهوم خاطئ لمعنى الترهيب في الآية الشريفة، فالتسلح من أجل موازنة قوة الآخر الظاهر منه والخفي حق، فالإسلام مسالم بطبعه ويرفض ظلم الآخر تحت دعوى الجهاد والنضال وفي الوقت نفسه لا يرضى وقوع الظلم عليه.
| 81480 | أنشطة المؤسسة | حديث الجُمعة | أخبار ومتابعات | أخبار علمية | خبر و تعليق | وحي القلم | وحي القصص | لكل سؤال جواب |
